الشيخ محمد السبزواري النجفي
10
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
واهتماما بما خوطب به . و النَّاسُ هم الموجودون من المكلّفين لقبح خطاب المعدوم ، وكل من وجدوا بعد ذلك فهم يدخلون في الخطاب بدليل المشاركة . والخطاب مختلف فيه بالنسبة إلى المخاطبين ، بالإضافة إلى الكفّار والبالغين المكلّفين جديدا بإحداث العبادة بشرائطها المتوقفة عليها . وأما بالنسبة إلى المؤمنين فزيادة وتثبيت . الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي الذين خلقهم من قبلكم من الأمم . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يستفاد من الآية الشريفة أن العبادة مقدّمة لتحصيل التقوى التي هي أعلى مراتب العبادة ، أو هي ترك المحرّمات والإتيان بالواجبات . كما أنه يستفاد من قوله « لعلّكم تتّقون » أنه ينبغي أن يكون العبد بين الرّجاء والخوف لا مغترّا بعمله وفعاله . 22 - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً : أي مبسوطة تفترشونها تقعدون عليها وتنامون ، كالفراش . وَالسَّماءَ بِناءً أي قبة مضروبة عليكم . وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني ماء المطر فإنه ينزل إلى الأرض من جهة السماء سحابا ، أو مما فوق السحاب . فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ أي بسببه . بأن جعله سببا في حياة الأرض . بما فيها من إنسان وحيوان ونبات . فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً بعد ما عرفتم أنه تعالى وليّ نعمكم وخالقكم فلم جعلتم له شركاء وأندادا ؟ والندّ : المثل . والندّ فعلا هو المثل المخالف . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ تعرفون أن هذه الأصنام التي جعلتموها أندادا له تعالى لا تقدر على شيء لأنها جمادات . 23 - وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا : عبده ، تعالى : هو النبي ( ص ) . وقد تحدّاهم بما نزّله عليه من القرآن الكريم ، فقال : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . . . في الفصاحة والبلاغة والإعجاز . وأنّى لهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة من القرآن الذي أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء ! . . وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي استعينوا بكل من بحضرتكم يعاونكم في الإتيان بسورة مثل سور القرآن ، إن كنتم صادقين في دعواكم بأن محمدا قد جاء به من عند نفسه . 24 - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ، وَلَنْ تَفْعَلُوا . . . إن لم تعملوا الذي تحدّيتكم به وَلَنْ تَفْعَلُوا لعجزكم . فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ جنّبوا أنفسكم النار التي وقودها - حطبها - الناس والحجارة ! . . أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي خلقت وهيّئت لهم . 25 - وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . أخبر المصدّقين ومؤدي فروضهم ونوافلهم أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ حدائق ذات بهجة ومساكن طيبة تجري تحت أشجارها وقصورها مياه الأنهار . والنهر : مجرى الماء الواسع وإسناد الجري إليه من باب المجاز في الإسناد . كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً أي كلّما منّ اللَّه تعالى بثمرة يجتنونها ، قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ في دار الدنيا . وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً . . . أي جيئوا بالثّمر يشبه بعضه بعضا في الاسم الناشئ عن المشابهة في النوع واللون ، ولكنه مخالف في الطعم اللّذيذ والرائحة الزكية . وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ منظّفة أبدان الأزواج من الحيض والأقذار والأدناس الظاهرية والمعنوية . ونقية أخلاقهن من السوء كالحسد والنفاق وشكاسة الطبع وغيرها من الصفات المكروهة . وَهُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون . 26 - إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها . . . نزلت ردّا على الكفرة والمنافقين الذين قالوا : أما يستحي ربّ محمّد أن يضرب مثلا بالذّباب والعنكبوت ؟ . . وحاصل معنى الآية الشريفة أن اللَّه لا يستحيي : يترك حياء وخجلا ، من ضرب المثل بالبعوضة مع حقارتها . وبما فوقها كالذّباب والعنكبوت مع هوانهما وضعفهما ، لفوائد هامّة يدركها الراسخون في العلم . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني أنه مهما يكن من شيء فإنّ المؤمنين يعلمون أنه الحقّ البتّة . والضمير في ( أنّه ) عائد للمثل والحق : هو الأمر الثابت الذي لا يجوز إنكاره . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يقولون استحقارا : أيّ شيء أراد وقصد بهذا المثل . يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً الضلالة والهداية متفرعتان عن الجملتين المتصدّرتين بأمّا . فإن العلم بأن الأمثال حقّ ، هداية ، والجهل بأنها في غير موردها ضلالة . وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الخارجين عن القصد . 27 - الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ . . . حدّد صفات فسقهم فهم يَنْقُضُونَ أي يردّون ويرفضون عَهْدَ اللَّهِ ما